أحمد مطلوب

16

أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني )

الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي . « 1 » لقد اهتم الجاحظ بالألفاظ اهتماما عظيما أولاها عناية كبيرة ، وقد دفعه هذا الاهتمام إلى أن يقول : « والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني ، وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتخير اللفظ وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحة الطبع وجودة السبك ، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج ، وجنس من التصوير » « 2 » . وظن بعض الباحثين أنّه يميل إلى اللفظ كل الميل ، وأنّه لا يرى للمعنى كبير أهمية ، والواقع أنّه عنى باللفظ وأعطاه نصيبه من الاهتمام ، وشغل بالمعنى والتصوير الأدبي الذي يقول عنه : « فإنما الشعر صناعة ، وضرب من النسج ، وجنس من التصوير » ، وهذه نظريته التي شرحها عبد القاهر الجرجاني وسماها « نظرية النظم » ، فالجاحظ اهتم بالألفاظ والمعاني والتصوير مع أنّه يروى أنّ بعضهم لا يحفل إلّا بالمعنى وحده كأبى عمرو الشيباني الذي يرى أنّ المعنى متى كان رائعا حسنا ظل كذلك في أية عبارة وضع . فالبيتان : لا تحسبنّ الموت موت البلى * فإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكنّ ذا * أفظع من ذاك لذل السؤال استحسنهما أبو عمرو على حين ليست عليهما مسحة من جمال سوى الوزن . وعابه الجاحظ ورأى أنّه مسرف في تقديرهما ، وقال : « وأنا رأيت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد يوم الجمعة أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتى كتبهما له ، وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا ، ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا » « 3 » .

--> ( 1 ) ينظر البيان ، ج 1 ص 144 . ( 2 ) الحيوان ، ج 3 ص 131 . ( 3 ) الحيوان ، ج 3 ص 131 .